الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
244
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
وأن يقرأه بالترتيل لقوله : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ المزمّل : الآية 4 ] - قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لأن اقرأ البقرة وآل عمران أرتّلهما وأتدبرهما أحبّ إليّ من أن أقرأ القرآن كلّه هذرمة . وأن يقرأه بالتدبر والتفهّم لأنه المقصود الأعظم والمطلوب الأهمّ ، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب ، قال تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ ص : الآية 29 ] وقال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [ النّساء : الآية 82 ] . وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكّر في معنى ما يلفظ به ، فيعرف معنى كلّ آية ويتأمل الأوامر والنواهي ، ويعتقد قبول ذلك ، فإن كان مما قصّر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر ، وإذا مرّ بآية فيها اسم محمد صلّى اللّه عليه وسلم صلّى اللّه عليه سواء القارئ والمستمع ، ويتأكد ذلك عند قوله : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 56 ) [ الأحزاب : الآية 56 ] ، وإذا مرّ بآية رحمة استبشر وسأل ، أو عذاب أشفق وتعوّذ ، أو تنزيه نزّه وعظّم ، أو دعاء تضرّع وطلب . أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما عن عوف بن مالك قال : « قمت مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل ، ولا يمرّ بآية عذاب إلا وقف وتعوّذ » . وروى أبو داود والترمذي حديث : « من قرأ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ( 1 ) ، فانتهى إلى آخرها فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين . ومن قرأ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ ( 1 ) فانتهى إلى آخرها أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) [ القيامة : الآيات 1 - 40 ] فليقل : بلى . ومن قرأ وَالْمُرْسَلاتِ فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 50 ) [ المرسلات : الآيات 1 - 50 ] فليقل : آمنّا باللّه . قال النووي رحمه اللّه تعالى وفي : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) يقول : ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذّب فلك الحمد » رواه الحاكم ، وفي فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ [ الملك : الآية 30 ] يقول : « اللّه رب العالمين » وفي ختم « والضحى » وما بعدها التكبير ، رواه البيهقي . وكان إبراهيم النخعي رحمه اللّه إذا قرأ وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [ التوبة : الآية 30 ] خفض بها صوته . وأن يكثر من البكاء عند القراءة لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « اتلوا القرآن وابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا » . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « إذا قرأتم سجدة سبحان [ الإسراء : 107 ] فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا ، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه » وإنما طريق تكلّف البكاء أن يحضر قلبه الحزن ، فمن الحزن ينشأ البكاء . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا » . ووجه إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود ، ثم يتأمل في تقصيره في امتثال أوامره وزواجره ، فيحزن لا محالة ، ويبكي ، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد